Browse Results

Showing 51 through 75 of 330 results

عمدة الطبيب في معرفة النبات

by يحيى مراد

دراسة التراث وتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين، أمر لابدّ منه في مرحلة التحوّل التي تمر بها الأمة العربية. ذلك لأن اطلاع أبنائها على المنجزات العلمية التي حققها الأجداد في الماضي، لابدّ أن يكون باعثاً على الثقة في النفوس، وحافزاً لحث الخطى في طريق التقدم العلمي والتقني الذي نسعى لتحقيقه.‏ ومن واجب التراث علينا أن نتصدى بأنفسنا لكشف مكنوناته، ونشر روائعه، وإلقاء الضوء على مدى مساهمته في إغناء المعرفة والعلم خلال قرون عديدة، بعد أن ظل هذا العمل مقتصراً على المستشرقين الذين ينتمون إلى أمم مختلفة.‏ وفي مكتباتنا العربية العامة والخاصة كثير من المخطوطات القيّمة، والكتب النافعة التي لم تدرس حتى الآن، ولاسيّما في موضوع الطب والصيدلة وعلم النبات والتي كان لها سماتها، فأدت دوراً كبيراً في إثراء العلوم وبث روح الحياة. حيث كان يلتقي النبات والدواء في مسيرة واحدة لتأمين الغذاء النافع والدواء الناجع.‏ لقد توافرت للعرب ثروة معرفيّة ولغويّة هائلة حين انصرفوا إلى الطبيعة، كغيرهم من الأمم التي سبقتهم، فوجدوا أن الأرض تزخر بالخيرات، من شجر وعشب وبقل وتابل وغذاء، فانصرفوا إلى "علم الفلاحة" ودراسة النباتات. وألّفوا في ذلك كتباً كثيرة لها أهميتها في ميادين علوم النبات والصيدلة والطب وغيرها.‏ وكانت عنايتهم بأصناف النبات نابعة من حاجتهم إلى الغذاء والدواء معاً. وإلى التطيب بالعطور، وصناعة الصباغة والدباغة، وتركيب المواد الصيدلانية من جذور وقشور وثمار وبذور وأعشاب نباتات مختلفة.‏ وهكذا أصبحت المعاجم العربية، والمؤلفات العلمية، غنية بكم وافر من الأسماء والمصطلحات النباتية، وضمَّت معارف العرب المسلمين القدماء في علمي الطب والنبات. فكانت مصدراً لمن ألف وكتب في المفردات النباتية والغذائية والدوائية. وهي كثيرة العدد نذكر منها: "كتاب النبات" لأبي حنيفة الدينوري(1) ت 282هـ-895م)، وكان من أكثر المعاجم جمعاً للمادة، وأعظمها أثراً في معاجم النبات التي ألفت فيما بعد.‏

حـي بن يقظـان

by ابن طفيل

فمنهم من بت الحكم وجزم القضية بأن حي بن يقظان من جملة من تكون في تلك البقعة من غير أم ولا أب ومنهم من أنكر ذلك وروى من أمره خبراً نقصه عليك فقال: انه كان بإزاء تلك الجزيرة جزيرة عظيمة متسعة الأكتاف كثيرة الفوائد عامرة بالناس يملكها رجل منهم شديد الأنفة والغيرة وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر فعضلها ومنعها الأزواج إذا لم يجد لها وكان له قريب يسمى يقظان فتزوجها سراً على وجه جائز في مذهبهم المشهور في زمنهم ، ثم إنها حملت منه ووضعت طفلاً ، فلما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها وضعته في تابوت أحكمت زمه بعد أن أروته من الرضاع وخرجت به في أول الليل في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر وقلبها يحترق صبابةً به وخوفاً عليه ثم إنها ودعته وقالت: (اللهم انك خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئاً مذكوراً ورزقته في ظلمات الأحشاء وتكفلت به حتى تم واستوى ، وأنا قد سلمته إلى لطفك ورجوت له فضلك خوفاً من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد ، فكن له ولا تسلمه يا أرحم الراحمين) ثم قذفت به في اليم. فصادف ذلك جري الماء بقوة المد فاحتمله من ليلته إلى ساحل الجزيرة الأخرى المتقدم ذكرها ، وكان المد يصل في ذلك الوقت إلى موضع لا يصل إليه بعد علم ، فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة مستورة عن الرياح والمطر محجوبة عن الشمس تزاور عنها إذا طلعت وتميل إذا غربت ، ثم أخذ الماء في الجزر ، وبقي التابوت في ذلك الموضع وعلت الرمال بهبوب الرياح وتراكمت بعد ذلك حتى سدت فكان المد لا ينتهي إليها وكانت مسامير التابوت قد فلقت وألواحه قد اضطربت عند رمي الماء في تلك الأجمة. فلما أشتد الجوع بذلك الطفل بكى واستغاث وعالج الحركة فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها خرج من كناسه فحمله العقاب فلما سمعت الصوت ظنته ولدها. فتتبعت الصوت وهي تتخيل طلاها حتى وصلت إلى التابوت ففحصت عنه بأظلافها وهو ينوء ويئن من داخله حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه ، فحنت الظبية وحنت عليه ورئفت به وألقمه حلمتها وأروته لبناً سائغاً ، ومازالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى ، هذا ما كان من ابتداء أمره عند من ينكره التولد ، ونحن نصف هنا كيف تربى وكيف أنتقل في أحواله حتى يبلغ المبلغ العظيم. وأما الذين زعموا أنه تولد من الأرض فإنهم قالوا إن بطناً من أرض تلك الجزيرة تخمرت فيه طينه على مر السنين والأعوام حتى امتزج فيها الحار بالبارد والرطب باليابس امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى. وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جداً وكان بعضها يفضل بعضاً في اعتدال المزاج والتهيؤ وكان الوسط منها أعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان: فتمخضت تلك الطينة وحدث فيها شبه نفاخات الغليان لشدة لزوجتها: وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جداً منقسمة بقسمين بينها حجاب رقيق ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به فتعلق به عند ذلك الروح الذي هو من أمر الله تعالى وتشبث به تشبثاً يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل إذ قد تبين أن هذا الروح دائم الفيضان من عند الله عز وجل وأنه بمنزلة نور الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم ، فمن الأجسام ما لا يستضيء به وهو الهواء الشفاف جداً ومنها ما يستضيء به بعض الاستضاءة وهي الأجسام الكثيفة غير الصقيلة وهذه تختلف في قبول الضياء وتختلف بحسب ذلك ألوانها ومنها ما يستضيء به غاية الاستضاءة وهي الأجسام الصقيلة كالمرآة ونحوها ، فإذا كانت هذه المرآة مقعرة على شكل مخصوص حدث فيها النار لإفراط الضياء.  

بشـرى الكئيب بلقــاء الحبيب

by جلال الدين السيوطي

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، هذا كتاب سمَّيته: (بشرى الكئيب بلقاء الحبيب) لخصته من كتابي الكبير الذي ألَّفته في أحوال البرزخ فصَّيرته على البشرى بما يلقاه المؤمن عند موته وفي قبره من التكريم والترحيب، وبالله التوفيق.

التبيـان في آداب حملة القرآن

by أبي زكريا يحيي بن شرف الدين النووي

إن الله سبحانه وتعالى من على هذه الأمة ـ زادها الله تعالى شرفا ـ بالدين الذي ارتضاه دين الإسلام، وأرسل إليها محمدا خير الأنام، عليه منه أفضل الصلاة والبركات السلام، وأكرمها بكتابه أفضل الكلام، وجمع فيه سبحانه وتعالى جميع ما يحتاج إليه من أخبار الأولين ولآخرين والمواعظ والأمثال والآداب وضروب الأحكام، والحجج القاطعات الظاهرات في الدلالة على وحدانيته وغير ذلك مما جاءت به رسله صلوات الله عليهم وسلامه الدامغات لأهل الإلحاد الضلال الطغام وضاعف الأجر في تلاوته وأمرنا بالاعتناء به والإعظام، وملازمة الآداب معه وبذل الوسع في الاحترام، وقد صنف في فضل تلاوته جماعة من الأوائل والأعلام كتبا معروفة عند أولي النهي والأحلام، لكن ضعفت الهمم عن حفظها، بل عن مطالعتها، فصار لا ينتفع بها إلا أفراد من أولي الإفهام، ورأيت أهل بلدتنا دمشق حماها الله تعالى وصانها وسائر بلاد الإسلام، مكثرين من الاعتناء بتلاوة القرآن العزيز تعلما وتعليما وعرضا ودراسة في جماعات وفرادى، مجتهدين في ذلك بالليالي والأيام، زادهم الله حرصا عليه وعلى جميع أنواع الطاعات مريدين وجه الله ذي الجلال والإكرام، فدعاني ذلك إلى جمع مختصر في آداب حملته وأوصاف حفاظه وطلبته، فقد أوجب الله سبحانه وتعالى النصح لكتابه، ومن النصيحة له بيان آداب حملته وطلابه وإرشادهم إليها وتنبيههم عليها، وأوثر فيه اختصار وأحاذر التطويل والإكثار، وأقتصر في كل باب في طرف من أطرافه، وأرمز من كل ضرب من آدابه إلى بعض أصنافه، فلذلك أكثر ما أذكره بحذف أسانيده. وإن كانت أسانيده بحمد الله عندي من الحاضرة العتيدة، فإن مقصودي التنبيه على أصل ذلك والإشارة بما أذكره إلى ما حذفته مما هنالك. والسبب في إيثار اختصاره إيثاري حفظه وكثرة الانتفاع به وانتشاره. ثم ما وقع من غريب الأسماء واللغات في الأبواب أفرده بالشرح والضبط الوجيز الواضح على ترتيب وقوعه في باب في آخر الكتاب ليكمل انتفاع صاحبه، ويزول الشك عن طالبه، ويندرج في ضمن ذلك وفي خلال الأبواب جمل من القواعد، ونفائس من مهمات الفوائد، وأبين الأحاديث الصحيحة والضعيفة مضافات إلى من رواها من الأئمة الأثبات. وقد ذهلوا عن نادر من ذلك في بعض الحالات. وأعلم أن العلماء من أهل الحديث وغيرهم جوزوا العمل بالضعيف في فضائل الأعمال، ومع هذا فإني أقتصر على الصحيح فلا أذكر الضعيف إلا في بعض الأحوال وعلى الله الكريم توكلي واعتمادي وإليه تفويضي واستنادي، وأسأله سلوك سبيل الرشاد والعصمة من أهل الزيغ والعناد، والدوام على ذلك وغيره من الخير في ازدياد، وأبتهل إليه سبحانه أن يهديني بحسن النيات، وييسر لي جميع أنواع الخيرات، ويعينني على أنواع المكرمات، ويديمني على ذلك حتى الممات، وأن يفعل ذلك كله بجميع أحبابي وسائر المسلمين والمسلمات، وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويشتمل هذا الكتاب على عشرة أبواب: الباب الأول: في أطراف من فضيلة تلاوة القرآن وحملته. الباب الثاني: في ترجيح القرآن والقارئ على غيرهما. الباب الثالث: في إكرام أهل القرآن والنهي عن أذاهم. الباب الرابع: في آداب حامل القرآن ومتعلمه. الباب الخامس: في آداب حامل القرآن. الباب السادس: في آداب القرآن وهو معظم الكتاب ومقصوده. الباب السابع: في آداب الناس كلهم مع القرآن. الباب الثامن: في الآيات والسور المستحبة في أوقات وأحوال مخصوصة. الباب التاسع: في كتابة القرآن وإكرام المصحف. الباب العشر: في ضبط ألفاظ هذا الكتاب.  

الأربعين حديثا النووية

by محيي الدين النووي

عن عمر رضي الله عنه أيضا، قال: بينما نحن جالسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا احد، حتى جلس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: "يا محمد أخبرني عن الإسلام"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)، قال: "صدقت"، فعجبنا له، يسأله ويصدقه؟، قال: "فأخبرني عن الإيمان"، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)، قال: "صدقت"، قال: "فأخبرني عن الإحسان"، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، قال: "فأخبرني عن الساعة"، قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)، قال: "فأخبرني عن أماراتها"، قال: (أن تلد الأم ربتها، وان ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال: (يا عمر أتدري من السائل؟)، قلت: "الله ورسوله أعلم"، قال: (فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم). رواه مسلم.  

سيرة الأميرة ذات الهمة وولدها عبدالوهاب - جزء1

by ليس موجود

قال الراوي: ومن جملة من خرج إليه عمرو بن عبد الله وهو يقول ادع لنا يا أخينا في الله، وأما أبا محمد البطال لما رأى الناس يهرعون سأل عن ذلك، فقال له بعض الإخوان فاز بالسعادة من فاز هذا القاضي قد قدم من أرض الحجاز فسار أبي محمد البطال من جملة الناس إلى أن وصل إليه، فرآهم يقبلون قدميه والشاطر من يصل إليه، وهو يبكي فما زال البطال يضحك إلى أن قرب منه، ووقعت عينه عليه فقال عقبة يا ولد يا بطال العاقبة إليك نزور البيت العتيق، وتزول عنك الذنوب، ويصل إليك التوفيق وتعاين ذاك المكان تحقيق، فقال البطال والله يا قاضي ما أنا إلا زرت البيت الذي كنت فيه، لكن ما غطست في جرن البركة الذي أنت غطست فيه، فقال عقبة وقد عدم رشاده وخفق من ذلك فؤاده، ويلك يا بطال إيش هذا الكلام وهذا الفضول الذي تقوله، وإذا بالأمير عمرو بن عبد الله قد وصل، فقال يا ولدي يا عمرو والله يوصل إليك ما دعوت لك في صحيفتك من الدعاء في البيت الحرام وزمزم والمقام، ثم ركب على ظهر بغلته بعد السلام والناس من وراه منقلبة، وكان البطال لما وقع بالقنديل قدمه للأمير عبد الوهاب، ففرح به فرحًا شديدًا ما عليه من مزيد، وكان البطال كره المقام بين بني سليم، وقال وحق المصطفى لا أقمت في مكان فيه عقبة بعد أن رأيت بعيني ما فعله، ولا بد أن أكون لهلاكه سبب، وأنحره كما أنحر الغنم، ثم طلع إلى قلعة الكوكب وأطلع الأميرة على القنديل، وقال هذا الذي تأسفتي عليه، وطلبتيه من الملك العلام، بأن يكون معلق في البيت الحرام، ثم حدثهم بحديث عقبة وما جرى له فقالت الأميرة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصعب على الأمير عبد الوهاب وقال للبطال على ماذا عولت أن تفعل، فقال انتقل من عندكم وأجعل معولي على الله، ثم عليكم وأنحر هذا اللعين فإني سمعته يوعد كلب الروم بهلاكك ويجعل بلاد الإسلام للروم والكفرة اللئام، ويملك البيت الحرام فقال عبد الوهاب ساءت ظنونه وأعماله وقطعت أوصاله ولا بد لي إن شاء الله أن أصلبه على باب الذهب الذي تنصر فيه، ولو احتمى بكل من كفر، وما قدر هذا الكلب إلا كلب حتى يذكر بيت الله الحرام، وزمزم والمقام، وأنت أخي من الدنيا والآخرة، لك ما لي وعليك ما عليَّ، ثم إنه أمر غلمانه أنهم ينقلون أسباب البطال من ملطية إلى قلعة الكوكب، وكانت ثلاثة جوار روميات وعشرة غلمان والكل علمهم الاحتيال والخداع، وجرأهم على الأهوال وأقام البطال في قلعة الكوكب وأعلم الأمراء بإسلام مارس ودارس، وأختهم أرمانوسة، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا ما عليه من مزيد، وقالت الأميرة سبحان الله من أيقظ هؤلاء من سنة الغفلة وأضل عقبة من علمه وفضله، ولكن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولم يزل البطال في قلعة الكوكب إلى أن سمع بوصول عقبة، فقال لا بد لي من الخروج إليه، ثم إنه خرج كما ذكرنا وكلم عقبة بما وصفناه، وعاد البطال إلى قلعة الكوكب وأعلم الأمير بقدوم عقبة، وكيف وصل من الحجاز، فقالت الأميرة إن قتله عند الله أعظم أجر من فتح القسطنطينية، لأنه يلعب بالأديان ويكفر بالرحمن، ثم أقاموا إلى أن أصبح بالصباح، وإذا برسول الأمير عمرو وصل إليهم يطلب الأمير أبو محمد البطال، وأيضًا يطلب القنديل ويأخذ من البطال حق القصاص بما يتكلم في حق عقبة ويقابله بما يستحقه، وأما القنديل يوصله إلى الأمام فإنه ولي الأحكام. قال الراوي: وكان السبب في ذلك الملعون عقبة لأنه لما وصل إلى ملطية وعلم أن البطال شنع عليه بهذه الأقوال الرديئة، وأيضًا بالغ في تشديد هذه القضية، وأنه اطلع على تنصره فقال أنا اعلم أن هذا الصبي يكشف سري بما رأى مني، فلم ينم تلك الليلة حتى ملأ قلب عمرو بن عبد الله، وقال له يا ولدي أنت هاهنا ملك العربان وأمير الثغور في كل مكان، وما نريد يتم أمر إلا ونعلم به الخليفة أمير المؤمنين، وإلا إن دمت هكذا انتقصت منزلتك عند الأمراء وعند الخاص والعام، وأيضًا تستطيل بني عامر وبني كلاب على بني سليم، وما ينبغي أن تكون بني سليم تحت الذل والضيع، وينبغي أنك ترسل تطلب القنديل لأن البطال دخل إلى القسطنطينية وسرق مالاً جزيلاً، ومن جملته ذلك القنديل وهو من الصواب إنك تطلبه وتطلب أيضًا البطال حتى أنه يقوم إليَّ ذليل، وأقبح بما قال في حقي لأنه رماني بالزور والبهتان، وتكلم في حقي بالكفر والطغيان، وسوف يكون لهلاكه سبب، وإذا لم نقيم ناموس الإمارة وإلا حلت بنا كل الخسارة.  

كتاب الموسيقى الشرقي

by محمد كامل الخلعي

الموسيقى هو علم يبحث فيه عن أحوال النغم من جهة تأليفه اللذيذ والنافر ـ وعن أحوال الأزمة المتخللة بين النغمات من جهة الطول والقصر. فعلم أنه يتم بجزئين: الأول علم التأليف وهو اللحن ـ والثاني علم الإيقاع وهو المسمى أيضًا بالأصول. (فالنغمات) جمع نغمة بالتحريك وهي (لغة) الصوت الساذج الخالي من الحروف ـ و(اصطلاحًا) الصوت المترنم به. (واللحن) بالسكون (لغة) صوت من الأصوات المصوغة و(اصطلاحًا) ما ركب من نغمات بعضها يعلو أو يسفل عن بعض على نسب معلومة ـ (والنغم للحن كالأحرف للكلام)ـ ثم يرتب ترتيبًا موزونًا ـ أي أنه يصاغ على أحد الأوزان التي سنذكرها بعد. ويقرن بشيء من الشعر أو غيره من سائر الفنون السبعة التي هي ـ القريض ـ والدويت ـ والموالي ـ والموشح ـ والزجل ـ والقومة ـ وكان وكان. وهذا التعريف جامع مانع؛  

الفوائد

by ابن القيم

أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فتتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها‏.‏ وتتضرع إليه ألا يقطعان عنك، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فنبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك‏.‏ وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد‏.‏ وكل شر فأصله خذلانه لعبده‏.‏ وأجمعوا أن التوفيق ألا يكلك الله نفسك وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك‏.‏ فإذا كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد العبد فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجئ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطي العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مُرْتَجًا دونه‏.‏ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏:‏ إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء فإن الإجابة معه‏.‏ وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدرهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك، فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به والخذلان في مواضعه اللائقة به، وهو العليم الحكيم‏.‏ وما أتي من أتي إلا من قِبَل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء‏.‏ وملاك ذلك الصبر فإنه من الإيمان بمنزله الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء لجسد‏.‏ ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله‏.‏ خلقت النار لإذابة القلوب القاسية‏.‏ أبعد القلوب من الله القلب القاسي‏.‏ إذا قسا القلب قحطت العين‏.‏ قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة‏:‏ الأكل والنوم والكلام والمخاطبة‏.‏ كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب‏.‏ فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فيه المواعظ‏.‏ من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته‏.‏ القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها‏.‏ القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها‏.‏ شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وظرف الفوائد‏.‏ إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر ونقي من الدغل،‏ رأى العجائب وألهم الحكمة‏.‏ ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى‏.‏ وأما من قتل قلبه فأحيا الهوى، فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه‏.‏ خراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر‏.‏ إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد‏.‏ الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عنه وهج الدنيا‏.‏ من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق‏.‏ لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة‏.‏ إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته فشغل همته بخدمته‏.‏  

الفصل في الملل و الآهواء و النحل

by ابن حزم

إن كثيراً من الناس كتبوا في افتراق الناس في دياناتهم ومقالاتهم كتباً كثيرة جداً فبعض أطال وأسهب وأكثر وهجر واستعمل الأغاليط والشغب فكان ذلك شاغلاً عن الفهم قاطعاً دون العلم وبعض حذف وقصر وقلل واختصر واضرب عن كثير من قوي معارضات أصحاب المقالات فكان في ذلك غير منصف لنفسه في أن يرضى لها بالغبن في الإبانة وظالماً لخصمه في أن لم يوفه حق اعتراضه وباخساً حق من قرأ كتابه إذ لم يغنه عن غيره وكلهم إلا تحلة القسم عقد كلامه تعقيداً يتعذر فهمه على كثير من أهل الفهم وحلق على المعاني من بعد حتى صار ينسي آخر كلامه أوله وأكثر هذا منهم ستائر دون فساد معانيهم فكان هذا منهم غير محمود في عاجله وآجله.

الرسالة المستطرقة فى علوم الحديث

by محمد بن جعفر الكتاني

وقد قال ‏(‏ابن حجر‏)‏ في أول ‏(‏مقدمة فتح الباري‏)‏ ما نصه‏:‏ اعلم أن آثار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم تكن في عصر الصحابة وكبار التابعين مدونة في الجوامع، ولا مرتبه، لأمرين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في ‏(‏صحيح مسلم‏)‏، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم‏.‏ وثانيهما‏:‏ لسعة حفظهم، وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة‏.‏ ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار، لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، واتسع الخرق على الراقع، وكاد أن يلتبس الباطل بالحق‏.‏ فأول من جمع في ذلك ‏(‏الربيع بن صبيح‏)‏ ‏(‏وسعيد ابن أبي عروبة‏)‏ وغيرهما‏.‏ دونت أحكام الحديث في منتصف القرن الثاني وكانوا يصنفون كل باب على حده، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثانية في منتصف القرن ‏(‏ص 6‏)‏ الثاني، فدونوا الأحكام‏.‏ فصنف ‏(‏الإمام مالك‏)‏ ‏(‏الموطأ‏)‏ بالمدينة، وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين، ومن بعدهم‏.‏ أول من صنف الحديث بمكة ابن جريج وصنف ‏(‏أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج‏)‏ بمكة، ‏(‏وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي‏)‏ بالشام، ‏(‏وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري‏)‏ بالكوفة، ‏(‏وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار‏)‏ بالبصرة‏.‏ ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، إلى أن رأى بعض الأئمة منهم، أن يفرد حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاصة، وذلك على رأس المائتين‏.‏ فصنف ‏(‏عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي‏)‏ مسندا، وصنف ‏(‏مسدد بن مسرهد البصري‏)‏ مسندا، وصنف ‏(‏أسد بن موسى الأموي‏)‏ مسندا، وصنف ‏(‏نُعيم بن حماد الخزاعي‏)‏ نزيل مصر مسندا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد، ‏(‏كالإمام أحمد بن حنبل‏)‏ ‏(‏و إسحاق بن راهويه‏)‏ ‏(‏وعثمان بن أبي شيبة‏)‏ وغيرهم من النبلاء‏.‏ ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معا ‏(‏كأبي بكر بن أبي شيبة‏)‏ اهـ‏.‏ وعبارته في ‏(‏إرشاد الساري‏)‏ قال‏:‏ منهم من رتب على المسانيد ‏(‏كالإمام أحمد بن حنبل‏)‏ ‏(‏و إسحاق بن راهويه‏)‏ ‏(‏وأبي بكر ابن أبي شيبة‏)‏ ‏(‏وأحمد بن منيع‏)‏ ‏(‏وأبي خيثمة‏)‏ ‏(‏والحسن بن سفيان‏)‏ ‏(‏وأبي بكر البزار‏)‏ وغيرهم‏.‏ ومنهم من رتب على العلل‏:‏ بأن يجمع في كل متن طرقه، واختلاف الرواة فيه، بحيث يتضح إرسال ما يكون متصلا، أو وقف ما يكون مرفوعا، أو غير ذلك‏.‏ ومنهم من رتب على الأبواب الفقهية، وغيرها، ونوّعه أنواعا، وجمع ما ورد في كل نوع، وفي كل حكم إثباتا ونفيا، في باب فباب، بحيث يتميز ما يدخل في الصوم مثلا عما يتعلق بالصلاة‏.‏ وأهل هذه الطريقة منهم من تقيد بالصحيح ‏(‏كالشيخين‏)‏ وغيرهما، ومنهم من لم يتقيد بذلك كباقي الكتب الستة، وكان أول من صنف في الصحيح ‏(‏محمد بن إسماعيل البخاري‏)‏‏.‏ ومنهم المقتصر على ‏(‏ص 7‏)‏ الأحاديث المتضمنة للترغيب والترهيب، ومنهم من حذف الإسناد واقتصر على المتن فقط، ‏(‏كالبغوي‏)‏ في ‏(‏مصابيحه‏)‏ ‏(‏واللؤلؤي‏)‏ في ‏(‏مشكاته‏)‏ اهـ‏.‏

الرسالة

by الإمام الشافعي

قال الشافعي‏:‏ فقال لي قائل‏:‏ ما العِلْمُ‏؟‏ وما يَجِبُ على الناس في العلم‏؟‏ فقلت له‏:‏ العلم عِلْمان‏:‏ علمُ عامَّةٍ، لا يَسَعُ بالِغاً غيرَ مغلوب على عقْلِه جَهْلُهُ‏.‏ قال‏:‏ ومِثْل ماذا‏؟‏ قلت‏:‏ مثلُ الصَّلَوَاتِ الخمس، وأن لله على الناس صومَ شهْر رمضانَ، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حرَّمَ عليهم الزِّنا والقتْل والسَّرِقة والخمْر، وما كان في معنى هذا، مِمَّا كُلِّفَ العِبادُ أنْ يَعْقِلوه ويعْملوه ويُعْطُوه مِن أنفسهم وأموالهم، وأن يَكُفُّوا عنه ما حرَّمَ عليهم منه‏.‏ وهذا الصِّنْف كلُّه مِن العلم موجود نَصًّا في كتاب الله، وموْجوداً عامًّا عنْد أهلِ الإسلام، ينقله عَوَامُّهم عن مَن مضى من عوامِّهم، يَحْكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم‏.‏ وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط مِن الخبر، ولا التأويلُ، ولا يجوز فيه التنازعُ‏.‏ قال‏:‏ فما الوجه الثاني‏؟‏ قلت له‏:‏ ما يَنُوبُ العِباد مِن فُروع الفرائض، وما يُخَصُّ به مِن الأحكام وغيرها، مما ليس فيه نصُّ كتاب، ولا في أكثره نصُّ سنَّة، وإن كانت في شيء منه سنةٌ فإنما هي مِن أخْبار الخاصَّة، لا أخبارِ العامَّة، وما كان منه يحتمل التأويل ويُسْتَدْرَكُ قِياسًا‏.‏ قال‏:‏ فيَعْدُو هذا أن يكون واجِبًا وجوبَ العلم قبله‏؟‏ أوْ مَوْضوعاً عن الناس عِلْمُه، حتَّى يكونَ مَنْ عَلِمَهُ مُنْتَفِلاً، ومَنْ تَرَكَ علْمَه غيرَ آثِمٍ بِتركه، أو مِنْ وَجْهٍ ثالثٍ، فتُوجِدُنَاهُ خَبَرًا أو قياسا‏؟‏ فقلت له‏:‏ بلْ هو مِن وجه ثالثٍ‏.‏ قال‏:‏ فصِفْهُ واذْكر الحجَّةَ فيه، ما يَلْزَمُ منه، ومَنْ يَلْزَمُ، وعنْ مَنْ يَسْقُطُ‏؟‏ فقلت له‏:‏ هذه درجةٌ مِن العلم ليس تَبْلُغُها العامَّةُ، ولم يُكَلَّفْهَا كلُّ الخاصَّة، ومَن احتمل بلوغَها مِن الخاصة فلا يَسَعُهُمْ كلَّهم كافةً أنْ يُعَطِّلُوهَا، وإذا قام بها مِن خاصَّتِهم مَنْ فيه الكفايةُ لم يَحْرَجْ غيرُه ممن تَرَكَها، إن شاء الله، والفضْل فيها لمن قام بها على مَنْ عَطَّلَهَا‏.‏ فقال‏:‏ فأوْجِدْنِي هذا خبراً أو شيئاً في معناه، ليكون هذا قياساً عليه‏؟‏ فقلتُ له‏:‏ فَرَضَ اللهُ الجِهادَ في كتابه وعلى لسانِ نبِّيه، ثم أكَّدَ النَّفِير مِن الجهاد، فقال‏:‏ ‏}إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالقُرَآن، وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{‏ التوبة‏:‏111  

الاتقان في علوم القرآن

by جلال الدين السيوطي

وأنواع القرآن شاملة وعلومه كاملة فأردت أن أذكر في هذا التصنيف ما وصل إلى علمي مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف‏.‏ وينحصر في أمور‏:‏ الأول‏:‏ مواطن النزول وأوقاته ووقائعه وفي ذلك اثنا عشر نوعاً‏:‏ المكي المدني السفري الحضري الليلي النهاري الصيفي الشتائي الراشي أسباب النزول أول ما نزل آخر ما نزل‏.‏ الأمر الثاني‏:‏ السند وهو ستة أنواع‏:‏ المتوتر الآحاد الشاذ قراءات النبي صلى الله عليه وسلم الرواة الحفاظ‏.‏ الأمر الثالث‏:‏ الأداء وهوستة أنواع‏:‏ الوقف الابتداء الإمالة المد تخفيف الهمزة الإدغام‏.‏ الأمر الرابع‏:‏ الألفاظ وهوسبعة أنواع‏:‏ الغريب المعرب المجاز المشترك المترادف الاستعارة الأمر الخامس‏:‏ المعاني المتعلقة بالأحكام وهوأربعة عشر نوعاً‏:‏ العام الباقي على علومه العام المخصوص العام الذي أريد به الخصوص ما خص فيه الكتاب السنة ما خصت فيه السنة الكتاب المجمل المبين المؤول المفهوم المطلق المقيد الناسخ المنسوخ نوع من التناسخ والمنسوخ وهوما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين‏.‏ الأمر السادس‏:‏ المعاني المتعلقة بالألفاظ وهوخمسة أنواع‏:‏ الفصل الإيجاب الإطناب القصر‏.‏ وبذلك تكملت الأنواع خمسين ومن الأنواع ما لا يدخل تحت الحصر‏:‏ الأسماء الكنى الألقاب المبهمات‏.‏  

ألف ليلة وليلة الجزء الثاني

by فلكلور تقليدي

(وفي ليلة 180) قالت بلغني أيها الملك السعيد أن الفأرة لما سمعت كلام البرغوث قالت إذا كان الكلام علي ما أخبرت فاطمئن هنا وما عليك بأس ولا تجد إلا ما يسرك ولا يصيبك إلا ما يصيبني وقد بذلت لك مودتي ولا تندم على ما فاتك من دم التاجر ولا تأسف على قوتك منه وأرض بما تيسر لك من العيش فإن ذلك أسلم لك وقد سمعت أيها البرغوث بعض الوعاظ ينشد هذه الأبيات: سلكت القناعة والانفراد بكسرة خبز وشربة ماء فإن يسر الله لي عيشتي وقضيت دهري بماذا أتفق وملح جريش وثوب خلق وإلا قنعت بما قد رزق فلما سمع البرغوث كلام الفأرة قال يا أختي قد سمعت وصيتك وأنقذت إلى طاعتك ولا قوة لي على مخالفتك إلى أن ينقضي العمر بتلك النية الحسنة فقالت له الفأرة كفى بصدق المودة في صلاح النية ثم انعقد الود بينهما وكان البرغوث بعد ذلك يأوي إلى فراش التاجر ولا يتجاوز بلغته ويأوي بالنهار مع الفأرة في مسكنها فاتفق أن التاجر جاء ليلة إلى منزله بدنانير كثيرة فجعل يقلبها فلما سمعت الفأرة صوت الدنانير أطلعت رأسها من جحرها وجعلت تنظر إليها حتى وضعها التاجر تحت وسادة ونام فقالت الفأرة للبرغوث أما ترى الفرصة والحظ العظيم فهل عندك حيلة توصلنا إلى بلوغ الغرض من تلك الدنانير فقال لها البرغوث قد التزمت لك باخراجه من البيت ثم انطلق البرغوث إلى فراش التاجر ولدغه لدغة قوية لم يكن جرى للتاجر مثلها ثم تنحى البرغوث إلى موضع يأمن فيه على نفسه من التاجر فانتبه التاجر يفتش على البرغوث فلم يجد شيئاً فرقد على جنبه الآخر فلدغه البرغوث لدغة أشد من الأولى فقلق التاجر وفارق مضجعه وخرج إلى مصطبة على باب داره فنام هناك ولم ينتبه إلى الصباح ثم أن الفأرة أقبلت على نقل الدنانير حتى لم تترك منها شيئاً فلما أصبح الصباح صار التاجر يتهم الناس ويظن الظنون ثم قال الثعلب للغراب واعلم أني لم أقل لك هذا الكلام أنها الغراب البصير العاقل الخبير إلا ليصل إليك جزاء إحسانك إلى كما وصل للفأرة جزاء إحسانها إلى البرغوث فانظر كيف جازاها أحسن المجازاة وكافأها أحسن المكافأة فقال الغراب إن شاء الحسن يحسن أولاً يحسن وليس الإحسان واجباً لمن التمس صلة بقطيعة وأن أحسنت إليك مع كونك عدوى أكون قد أتسبب في قطيعة نفسي وأنت أيها الثعلب ذو مكر وخداع ومن شيمتك المكر والخديعة لا تؤمن على عهد ومن لا يؤمن على عهد لا أمان له وقد بلغني عن قريب أنك غدرت بصاحبك الذئب ومكرت به حتى أهلكته بغدرك وحيلتك وفعلت به هذه الأمور مع أنه من جنسك وقد صحبته مدة مديدة فما أبقيت عليه فكيف أثق منك بنصيحة وإذا كان هذا فعلك مع صاحبك الذي من جنسك فكيف يكون فعلك مع عدوك الذي من غير جنسك وما مثالك معي إلا مثال الصقر مع ضواري الطير فقال الثعلب وما حكاية الصقر مع ضواري الطير فقال الغراب زعموا أن صقراً كان جباراً عنيداً وأدرك شهرزاد فسكتت عن الكلام المباح.  

ألف ليلة وليلة الجزء الثالث

by فلكلور تقليدي

النسخة الكاملة، ولأول مرة، من أهم إبداعات البشرية وأهم الأعمال التي ستخلد كجزء عظيم من التراث الإنساني كتاب "ألف ليلة وليلة"  (وفي ليلة 452) قالت بلغني أيها الملك السعيد أن الملك لما حدث نفسه وقال لها كلي من هذه النعم مهنأ بالعمر الطويل والحظ الجزيل ولم يفرغ مما حدث به نفسه حتى أتاه رجل من ظاهر القصر عليه ثياب رثة وفي عنقه مخلاة معلقة على هيئة سائل يسال الطعام فجاء وطرق حلقة باب القصر طرقة عظيمة هائلة كادت تزلزل القصر وتزعج الشرير فخاف الغلمان فوثبوا إلى الباب وصاحوا بالطارق وقالوا له ويحك ما هذه الفعلة وسوء الأدب أصبر حتى يأكل الملك ونعطيك مما يفضل فقال للغلمان قولوا لصاحبكم يخرج إلى حتى يكلمني فلي إليه حاجة وشغل مهم وأمر ملم قالوا تنح أيها الضعيف من أنت حتى تأمر صاحبنا بالخروج إليك فقال لهم عرفوه ذلك فجاؤا إليه وعرفوه فقال هلا زجرتموه وحردتم عليه السلاح ونهرتموه ثم طرق الباب أعظم من الطرقة الأولى فنهض الغلمان إليه بالعصى والسلاح وقصدوه ليحاربوه فصاح بهم صيحة وقال الزموا أماكنكم فأنا ملك الموت فرعبت قلوبهم وذهبت عقولهم وطاشت حلومهم وارتعدت فرائصهم مثلت على المعركة جوارحهم فقال لهم الملك قولوا له يأخذ بدلاً مني وعوضاً عني فقال ملك الموت لا أخذ و لا أتيت إلا من أجلك ثم أن ملك الموت قبض روحه وهو على سريره قبل أن يأكل العالم الحجر ميتاً ساقطاً من فوق سريره قال الله تعالى حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ملبسون (ومما يحكي) أن ملكاً جباراً من ملوك بني إسرائيل كان في بعض الأيام جالساً على سرير مملكته فرأى رجلاً قد دخل عليه باب الدار وله صورة منكرة وهيئة هائلة فاشمأ زمن هجومه عليه وفزع من هيئته فوثب في وجهه وقال من أنت أيها الرجل ومن أذن لك في الدخول على وأمرك بالمجيء إلى داري فقال أمرني صاحب الدار وأنا لا يحجبني حاجب ولا أحتاج في دخولي على الملوك إلى أذن ولا أرهب سياسة سلطان ولا كثرة أعوان أنا الذي لا يقرعني جبار ولا لاحد من قبضتي فرار أنا هازم اللذات ومفرق الجماعات فلما سمع الملك هذا الكلام خر على وجهه ودبت الرعدة في بدنه ووقع مغشياً عليه فلما أفاق قال أنت ملك الموت قال نعم قال أقسمت عليك بالله لا أمهلتني يوماً واحد لا ستغفر من ذنبي وأطلب العذر من ربي وأرد الأموال التي في خزائني إلى أربابها ولا أتحمل مشقة حسابها وويل عقابها فقال ملك الموت هيهات هيهات لا سبيل لك إلى ذلك وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.    

ألف ليلة وليلة الجزء الأول

by فكلور تقليدي

النسخة الكاملة، ولأول مرة، من أهم إبداعات البشرية وأهم الأعمال التي ستخلد كجزء عظيم من التراث الإنساني كتاب "ألف ليلة وليلة"    (وفي ليلة 35) قالت بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما قال للمزين لابد أن أحضر أصحابك عندي يوماً فقال له إذا أردت ذلك وقدمت دعوة أصحابك في هذا اليوم فاصبر حتى أمضي بهذا الإكرام الذي أكرمتني به وأدعه عند أصحابي يأكلون ويشربون ولا ينتظرون ثم أعود إليك وأمضي معك إلى أصدقائك فليس بيني وبين أصدقائي حشمة تمنعني عن تركهم والعود إليك عاجلاً وأمضي معك أينما توجهت فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أمضي أنت إلى أصدقائك وانشرح معهم ودعني أمضي إلى أصدقائي وأكون معهم في هذا اليوم فإنهم ينتظرون قدومي فقال المزين لا أدعك تمضي وحدك فقلت له أن الموضع الذي أمضي إليه لا يقدر أحد أن يدخل فيه غيري فقال أظنك اليوم في ميعاد واحدة وإلا كنت تأخذني معك وأنا أحق من جميع الناس وأساعدك على ما تريد فإني أخاف أن تدخل على امرأة أجنبية فتروح روحك فإن هذه مدينة بغداد لا يقدر أحد أن يعمل فيها شيئاً من هذه الأشياء لاسيما في مثل هذا اليوم وهذا والي بغداد صارم عظيم فقلت ويلك يا شيخ الشر أي شيء هذا الكلام الذي تقابلني به فسكت سكوتاً طويلاً وأدركنا وقت الصلاة وجاء وقت الخطبة وقد فرغ من حلق رأسي فقلت له أمضي إلى أصحابك بهذا الطعام والشراب وأنا أنتظرك حتى تعود وتمضي معي ولم أزل أخادعه لعله يمضي فقال لي أنك تخادعني وتقضي وحدك وترمي نفسك في مصيبة لا خلاص لك منها فبالله لا تبرح حتى أعود إليك وأمضي معك حتى أعلم ما يتم من أمرك فقلت له نعم لا تبطيء علي فأخذ ما أعطيته من الطعام والشراب وغيره وخرج من عندي فسلمه إلى الحمال ليوصله إلى منزله وأخفي نفسه في بعض الأزقة ثم قمت من ساعتي وقد اعلنوا على المنارات بسلام الجمعة فلبست ثيابي وخرجت وحدي وأتيت إلى الزقاق ووقعت على البيت الذي رأيت فيه تلك الصبية وإذا بالمزين خلفي ولا أعلم به فوجدت الباب مفتوحاً فدخلت وإذا بصاحب الدار عاد إلى منزله من الصلاة ودخل القاعة وغلق الباب فقلت من أين علم هذا الشيطان بي فأتفق في هذه الساعة لأمر يريده الله من هتك سترى أن صاحب الدار أذنبت جارية عنده فضربها فصاحت فدخل عنده عبد ليخلصها فضربه فصاح الآخر فأعتقد المزين أنه يضربني فصاح ومزق أثوابه وحثا التراب على رأسه وصار يصرخ ويستغيث والناس حوله وهو يقول قتل سيدي في بيت القاضي ثم مضي إلى داري وهو يصيح والناس خلفه وأعلم أهل بيتي وغلماني فما دريت إلا وهم قد أقبلوا يصيحون وا سيداه كل هذا والمزين قدامهم وهو ممزق الثياب والناس معهم ولم يزالوا يصرخون وهو في أوائلهم يصرخ وهم يقولوا وا قتيلاه وقد أقبلوا نحو الدار التي أنا فيها فلما سمع القاضي ذلك عظم عليه الأمر وقام وفتح الباب فرأى جمعاً عظيماً فبهت وقال يا قوم ما القصة فقال له الغلمان أنك قتلت سيدنا فقال يا قوم وما الذي فعله سيدكم حتى أقتله وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

العبرات

by مصطفي لطفي المنفلوطي

ما أكثر أيام الحياة وما أقلّها! لم أعش من تلك الأعوام الطوال التي عشتها في هذا العالم إلا عامًا واحدًا مرّ بي كما يمر النجم الدهريُّ في سماء الدنيا ليلة واحدة، ثم لا يراه الناس بعد ذلك. قضيت الشطر الأوّل من حياتي أفتش عن صديق ينظر إلى أصدقائه بعين غير العين التي ينظر بها التاجر إلى سلعته، والزارع إلى ماشيته، فأعوزني ذلك حتى عرفت فلانًا منذ ثماني عشرة عامًا، فعرفت امرءًا، ما شئت أن أرى خلة من خلال الخير والمعروف في ثياب رجل إلا وجدتها فيه، ولا تخيلت صورة من صور الكمال الإنساني في وجه إنسان إلا أضاءت لي في وجهه، فجلَّت مكانته عندي، ونزل من نفسي منزلة لم ينزلها أحد من قبله، وصفت كأس الود بيني وبينه لا يكدرها علينا مكدر.  حتى عرض لي من حوادث الدهر ما أزعجني من مستقري، فهجرت القاهرة إلى مسقط رأسي غير آسف على شيء فيها إلا على فراق ذلك الصديق الكريم، فتراسلنا حقبة من الزمن، ثم فترت عني كتبه ثم انقطعت، فحزنت لذلك حزنًا شديدًا، وذهبت بي الظنونَ في شأنه كل مذهب، إلا أن أرتاب في صدقه ووفائه، وكنت كلما هممت بالمصير إليه لتعرّف حاله قعد بي عن ذلك همٌّ كان يقعدني عن كل شأن حتى شأن نفسي، فلم أعد إلى القاهرة إلا بعد عدة أعوام فكان أول همي يوم هبطت أرضها أن أراه، فذهبت إلى منزله في الساعة الأولى من الليل فرأيت ما لا تزال حسرته متصلة بقلبي حتى اليوم. تركت هذا المنزل فردوسًا صغيرًا من فراديس الجنان تراءى فيه السعادة في ألوانها المختلفة، وتترقرق وجوه ساكنيه بشرًا وسرورًا، ثم زرته اليوم فخيِّل إلى أنني أمام مقبرة موحشة ساكنة لا يهتف فيها صوت ولا يتراءى في جوانبها شبحٌ، ولا يلمع في أرجائها مصباح، فظننت أني أخطأت المنزل الذي أريده، أو أنني بين يدي منزل مهجور حتى سمعت بكاء طفل صغير، ولمحت في بعض النوافذ نورًا ضعيفًا، فمشيت إلى الباب فطرقته، فلم يجبني أحد فطرقته أخرى فلمحت من خصاصه نورًا مقبلاً ثم لم يلبث أن انفرج لي عن وجه غلام صغير في أسمال بالية، يحمل في يده مصباحًا ضئيلاً فتأملته على ضوء المصباح، فرأيت في وجهه صورة أبيه، فعرفت أنه ذلك الطفل الجميل المدلل الذي كان بالأمس زهرة هذا المنزل وبدر سمائه، فسألته عن أبيه فأشار إليَّ بالدخول ومشى أمامي بمصباحه حتى وصل بي إلى قاعة شعثاء مغبرة، بالية المقاعد والأستار، ولولا نقوش لاحت لي في بعض جدرانها كباقي الوشم في ظاهر اليد ما عرفت أنها القاعة التي قضينا فيها ليالي السعادة والهناء اثني عشر هلالاً، ثم جرى بيني وبين الغلام حديث قصير عرف فيه من أنا، وعرفت أن أباه لم يعد إلى المنزل حتى الساعة، وأنه عائد عما قليل.. ثم تركني ومضى وما لبث إلا قليلاً حتى عاد يقول لي: إن والدته تريد أن تحدثني حديثًا يتعلق بأبيه، فخفق قلبي خفقة الرعب والخوف، وأحسست بشر لا أعرف مأتاه ثم التفتُّ فإذا امرأة ملتفة برداء أسودَ واقفة على عتبة الباب فحيتني فحييتها، ثم قالت لي: هل علمت ما صنع الدهر بفلان من بعدك؟ قلت: لا، فهذا أول يوم هبطت فيه هذا البلد بعد ما فارقته سبعة أعوام، قالت: ليتك لم تفارقه، فقد كنت عصمته التي يعتصم بها وحماه من غوائل الدهر وشروده، فما هي إلا أن فارقته حتى أحاطت به زمرةٌ من أمر الشيطان، وكان فتى كما تعلمه غريرًا ساذجًا، فما زالت تغريه بالشر وتزين له منه ما يزين الشيطان للإنسان حتى سقط فيه، فسقطنا جميعًا في هذا الشقاء الذي تراه، قلت: وأي شر تريدين يا سيدتي؟  

أسواق الذهب

by أحمد شوقى

قلْ لا أعرِف الرِّقّ، وتقيَّد بالواجب وتقيَّد بالحقّ؛ الحرية وما هِيَه؟ "الحُمَيراءُ"  الغالية، فِتنةُ القرون الخالية، وطَلِبةُ النفوسِ العالية؛ غِذاءُ الطّبائع، ومادّةُ الشرائع، وأُمُّ الوسائل والذَّرائع؛ بنتُ العلم إذا عمّ، والخلق إذا تمّ، وربيبة الصبر الجميل والعمل الجمّ؛ الجهلُ يئدُها، والصغائرُ تُفسدُها، والفُرْقةُ تُبعدُها؛ تكبيرةُ الوجود، في أُذُن المولود؛ وتحية الدُّنيا له إذا وصل، وصيْحة الحياة به إذا نَصَل؛ هاتِفٌ منَ السماءِ يقولُ له: يا ابنَ آدم؛ حَسْبُكَ من الأسماءِ عبدُ الله وسيّدُ العالَم، وهي القابلة التي تستقبله، ثم تسرُّهُ وتُسَرْبلُه، وهي المهدُ والتميمَة، والمُرضعُ الكريمة، المنجبة كـ "حليمة". ألبانُها حياة، وأحضانُها جنَّات. وأنفاسُها طيِّبات. العزيزُ من وُلدَ بين سَحْرِها ونَحْرها، وتعلق بصدرِها، ولعِبَ على كَتِفها وحِجرها، وترعرعَ بين خِدرها وسِترها.. ضجيعةُ موسى في التابوت، وَجاوَرَتْه في دار الطاغوت، والعصا التي توكأ عليها، والنَّارُ التي عشَا إليها، جبلّةُ المَسيح، السِّيدِ السَّميح، وإنجيلُه، الذي حاربُه جيلُه، وسَبيلُه، الذي جانَبَهُ قَبيلُه، طِينةُ محمدٍ عن نفسِه، عن قومِه، عن أمسِه، عن يومه، أنسابٌ عالية، وأحسابٌ زاكية، وملوكٌ بادية، لم يَدنهم طاغية، وهي رُوحُ بيانِه، ومُنحدَر السُّوَر على لسانِه، الحرِّية، عقدُ الملك، وعهدُ المَلْك، وسًكان الفُلْك، يدُ القلم، على الأمم، ومِنحة الفكر، ونفحة الشعر وقصيدة الدهر، لا يُستَعْظَمُ فيها قرْبان، ولو كان الخليفة عثمان بن عفان، جنينٌ يحمَلُ به في أيام المحْنَة، وتحتَ أفياء الفتنة، وحينَ البغي سيرة السَّامَّة ، والعدوان وتيرة العامَّة، وعندَما تناهى غفلة السواد، وتفاقم عَبث القوَّاد، وبين الدَّم المطلول، والسيف المسلول، والنظم المحلول، وكذلك كان الرُّسلُ يولدون عندَ عموم الجهالة، ويُبعثون حين طمُوم الضلالة؛ فإذا كَملَتْ مدَّتُه. وطلَعتْ غُرَّتهُ، وسطعَتْ أُسِرَّتُه، وصحَّتْ في المهد إمرتُه، بدّلت الحالَ غيرَ الحال، وجاءَ رجالٌ بعدَ الرِّجَال؛ دينٌ ينفسحُ للصادقِ والمنافق، وسوقٌ يتَّسع للكاسِد والنَّافق، مولودٌ حمْلُهُ قرُون، ووضعُهُ سِنُون، وحَداثتُه أشغالٌ وشئون، وأهوالٌ وشجون، فرحِمَ الله كلَّ من وطَّأ ومهَّد، وهيَّأ وتعهَّد، ثم استشهدَ قبلَ أن يشهَد. إذا أحرزت الأُممُ الحرِّيَّة أتت السيادةُ من نفسِها، وسعت الإمارةُ على رأسِها، وبُنِيَت الحضارةُ من أُسِّها؛ فهي الآمرُ الوازع، القليلُ المُنازِع، النبيلُ المشاربِ والمَنَازع؛ الذي لا يتخذ شِيعة، ولا صنيعة، ولا يَزْدهي بخديعة؛ خازنٌ ساهر، وحاسبٌ ماهر؛ دانقُ الجماعة بذمةٍ منهُ وأمان، ودِرْهَمُهم في حِرْزهِ دِرْهَمَان. "فيا ليلى" ماذا مِن أترَاب، وارَيْتِ التراب؟ وأخدان، أسلمتِ للديدان؟ عُمَّالٌ للحق عُمَّار، كانوا الشُّموسَ والأقمار، فأصبحوا على أفواه الرُّكَّاب والسُّمار؛ وأين قيسُك المعولِ؟ ومجنونُك الأوَّل؟ حائطُ الحقُّ الأطوَل، وفارسُ الحقيقةِ الأجوَل؛ أين مصطفى؟ زينُ الشباب، ورَيْحان الأحباب. وأوَّلُ من دَفع الباب، وأبرزَ النَّاب، وزأرَ دون الغاب؟...  

أميرة الأندلس

by أحمد شوقى

            "الملك نشوان ومعه مضحكه مقلاص يدنو من زورق على الوادي الكبير فيثب فيه ويقول" الملك       :         انظر يا مقلاص إلى هذا الزورق ما ألطفه، صدق القول: كل صغير لطيف. مقلاص    :         إلا وظيفتي في قصرك فإنها لا لطيفة ولا شريفة، وإن هذا الزورق قد ينقلب فيأخذ شكل النعش، ولن يكون النعشُ لطيفًا أبدًا. الملك       :         هبه انقلب يا مقلاص فصار نعشًا، أليس النعشُ مركبَ كل حي وإن طالتْ سلامته! مقلاص    :         أما أنا فيعفيني الملك. الملك       :         لا يا مقلاص لا أعفيك، ولا أحسبك تدعني أسير في لجة النهر وحدي وأنا كما تراني نشوان. مقلاص    :         وإن كان ولابد أيها الملك فإني أقترح.. الملك       :         وما تقترح؟ مقلاص    :         أن أكون أنا المجدِّفَ وحدي. الملك       :         ولماذا؟ مقلاص    :         الأمر بيِّن! التيار مجنون، والسكر مجنون، وأنت سلطان وكل سلطان مجنون. وهذا الزورق خشبة لا عقل لها فهو أيضًا مجنون؛ وإني أربأ بحياتي أيها الملك أن أجمع عليها مجانين أربعة. الملك       :         (مستضحكًا) لا يكون إلا ما اقترحتَ يا مقلاص، تعال اركب وجدف وحدك واترك لي أنا الدفة. مقلاص    :         أما هذا فنعم. وإني أرجو أن تكون دفة هذا المركب الصغير أحسن مصيرًا في يديك من دفة المملكة. الملك       :         (مستضحكًا) تعال ثب؛ هات يدك. (مقلاص ينزل إلى الزورق ويأخذ المجدافين). الملك       :         انظر يا مقلاص وراءك، إني أرى قاربًا يندفع نحونا مسرعًا كأنه حوت مطارد مذعور. مقلاص    :         هو ذا قد دنا منا يا مولاي، فأحسن مسك الدفة واجتنب الصدمة، وأنا أزوده عنا بمجدافي هذا وأضربه ضربة تقذف به إلى الشاطئ الآخر من النهر. الملك       :         إياك أن تفعل بل ائسره، فلابد لنا أن نؤدب هذا الشاب المغرور، فإني أرى الملاح فتى كريم الهيئة فهو لاشك من أبناء أعيان أشبيلية. (يصطدم الزورقان ويظهر مقلاص ارتباكًا وجبنًا، فيقبض الملك على الزورق المهاجم بيد قوية ويقول لمقلاص) الملك       :         اقذف الآن به إن استطعت إلى الشاطئ الآخر من النهر (ثم يلتفت إلى الشاب الملاح ويقول) مكانك أيها الغلام الوقاح، ما هذه الجرأة على التيار وعلى شبابك هذا الغض النضير! وما غرك بالملك حتى قربت عودك من عوده تريد أن تأخذ عليه الطريق. الملاح     :         مولاي إن الرعية يهفون، وإن الملوك يعفون، وزورقي إنما اندفع بقوة التيار القاهر فوافق مرور مركبك المحروس، فكان ما كان مما أعتذر للملك منه. الملك       :         (بصوت منخفض) ويح أُذني ماذا تسمع؟ هذا الصوت أعرفه؟ (ثم يلتفت إلى الملاح قائلاً): قد عرفت أيها الفتى من نحن، فعرفنا بنفسك. (يرفع الملاح قناعه) الملك       :         (صائحًا) بثينة! الأميرة     :         (الملاح) أجل أيها الملك ابنتك وأمتك بثينة. الملك       :         عجبًا! أأنتِ هنا بين العبب والتيار، وعلى هذا العود الذي يشفق أبوك من ركوبه، وأبوك من تعلمين أشجع العرب قلبًا؟ الأميرة     :         ولم لا تكون ابنة الملك شجاعة القلب مثله! إن الأسد لا يلد إلا اللباة. الملك       :         (يهدأ غضبه) ومن أين مجيئكِ الساعة يا بثينة؟  

سيرة الظاهر بيبرس المجلد الثاني

by مجهول

(قال الراوي) فقال الملك سامحك الله بما فعلت من ذلك ولكن لا بد من التحقيق بينكما وما يكون الرأي في ذلك الركبة فقال يا مولاي اعلم أن الأعجام واثقين مني ولكن أنت رجعت إلى العرض وأنا رجعت إليهم وأقبل الليل بالاعتكار أرسل إلى أخواتي الفداوية وأنا أكون معاونًا لهم على كبس الركبة ونهب الأعادي فقال الملك هذا هو الصواب والأمر الذي لا يعاب ثم رجع إلى مكانه بعد أن تودع السلطان منه وعاد بيبرس وقد اجتمع برشيد الدولة وأعاد عليه سرًا بينه وبينه ففرح رشيد بذلك الخبر وتهلل وجهه واستبشر ثم أخذه ودخل على القان هلاون وقال له اعلم أن بيبرس العجمي قد تحارب مع قان عرب وكان مراده أسره فلم أمكنه ذلك ولكن لا بد أن يأسره غدًا إن شاءت النار فقال اللمين قوم بلاه ثم إنهم صبروا إلى الليل وقد نامت الأعاجم وهم آمنين من حوادث الزمان وما خبئ لهم عند مدبر الأكوان حتى توسط الليل فبينما هم في ألذ ما يكون من المنام وإذا بالصياح قد أخذهم من سائر الأقطار ووقع فيهم القتل السيف البتار فلا أحد قدر أن يثور من مكانه حتى طارت رأسه عن أبدانه وربما كان الرجل منهم إذا أخذ سلاحه قتل به أخاه وأعدمه الحياة ومنهم من كان متجرد بغير حسام وصارت المجوس شنيارها معكوس وجيشها مكبوس وعمل فيهم السيف والدبوس ولمعت السيوف في غياهب الملموس وزهقت النفوس وجرى الدما من الرجال مثل ذبح النيوس وعاد صباحهم معكوس وعمل فيهم البتار وقد اشتعلت نار الحرب إشعال وتحندل الأفيال وجرى الدما وسال فلا كنت تسمع للسيوف إلا الرنين ولا للمجاريح إلا الأنين وأخذهم السيف من الشمال واليمين وضاق عليهم البر الفسيح وتعاووا مثل عي الذبيح وضاق الخناق وشربوا من الموت أمر مذاق ووقف الحرب على قدم وساق وتعلقت الفرسان الفرسان والشجعان وطارت الرؤوس من الأبدان وزهقت النفوس من شدة الولهان وشيب الشجاع المصان وولى الجبان المهان وصار الدم ينزل والسيف يعمل ونار الحرب يشعل وكانت هذه الواقعة لا يعرف لها أول من آخر (يا سادة) وكان السبب في ذلك سبب عجيب وهو أنه لما رجع الملك من الميدان أخبر الوزير بما دار بينه وبين بيبرس من الكلام.

عنترة بن شداد الجزءالثاني

by مجهول

وكان بسطام قويًّا قلبه، وأراد أن يطلق رأس الجواد، فما مكنه عنتر بن شداد، بل أدركه وزعق فيه وطعنه بعقب الرمح فألقاه على وجه الأرض، وقال لأخيه شيبوب: شد كتافه حتى ننظر ما يجري بيننا وبين القادمين، فنظر نجاد إلى هذا الحال، فقال لمن معه: يا ويلكم، خذا هذا الأسود ابن ملكنا بسطام وشداه في الاعتقال، وإني أقول إنه ما قدر عليه إلا من خوفه من هذه الفرقة العبسية التي لحقت بصاحبها، حتى تعينه على هذه القضية، كما لحقنا نحن صاحبنا فدونكم وإياهم، فارفعوهم على أسنة الرماح وأنا أمزق جسد هذا الأسود، وأطلق لمولانا السراح لأني أقول: إن هذا الفارس هو عنتر، الذي قد سار بسطام ليأتي برأسه، ثم إنه حمل يطلب عنتر في خمسين فارسا، وحملت بقية الثلاثمائة فارس على عمارة ورفقته مثل السود القناعس، وقد قلوا في أعينهم وداروا بهم وتفرقوا كراديس ومواكب، فعند ذلك لزم بنو عبس القتال خوفًا من المهالك، فانظر أيها السامع إلى هذه الأشياء التي تحير العقول، فإن عمارة قد أتى يقاتل عنتر فصار معينا له بغير علمه واختياره، واحتاج أن يقاتل معه، ويخلص نفسه فزعا من العطب، ولو أمكنه الهروب من ذلك لهرب، ولكن ما قدر على ذلك لأن الأعداء قد أحدقت بهم من سائر الجهات والممالك، فقاتل وبذل المجهود وتزاعقت عليهم الفرسان مثل الأسود، وتواثبت الشجعان مثل الفهود، واقشعرت الجلود، وقدحت حوافر الخيل النار في الجلمود، وخيم الغبار على رأسهم حتى بقي مثل الرواقي الممدود، وفاضت الدموع على الخدود، وقدت الصوارم الهامات والقدود، وخفقت الرايات والبنود، وتلهجت في الأحشاء نار الحقود، وعادت وجوه الأبطال سود، من كثرة الغبار الممدود، ومما جرى عليها من نقض المواثيق والعهود، وشربت الأودية من أدمية الفرسان والكبود، وخسرت بنو زياد في ذلك اليوم المشهود، ورأت مقام عنتر في ذلك الوقت محمود، وأيقن عمارة أنه هالك من بين أهله ومفقود، وكاد أن يموت من الحسد، وعاد متنغصا مكمود، ثم إنه افتقد أصحابه فوجدهم قد فقد منهم خمسون فارسا، والباقون أشرفوا على الهلاك، فعندها قال عمارة: النجاة، ثم إنه لوى عنان جواده وولى هاربا، فتبعه عروة ومن بقي من رجاله، وهم لا يصدقون بالنجاة.

عنترة بن شداد الجزء الأول

by مجهول

وكان بسطام قويًّا قلبه، وأراد أن يطلق رأس الجواد، فما مكنه عنتر بن شداد، بل أدركه وزعق فيه وطعنه بعقب الرمح فألقاه على وجه الأرض، وقال لأخيه شيبوب: شد كتافه حتى ننظر ما يجري بيننا وبين القادمين، فنظر نجاد إلى هذا الحال، فقال لمن معه: يا ويلكم، خذا هذا الأسود ابن ملكنا بسطام وشداه في الاعتقال، وإني أقول إنه ما قدر عليه إلا من خوفه من هذه الفرقة العبسية التي لحقت بصاحبها، حتى تعينه على هذه القضية، كما لحقنا نحن صاحبنا فدونكم وإياهم، فارفعوهم على أسنة الرماح وأنا أمزق جسد هذا الأسود، وأطلق لمولانا السراح لأني أقول: إن هذا الفارس هو عنتر، الذي قد سار بسطام ليأتي برأسه، ثم إنه حمل يطلب عنتر في خمسين فارسا، وحملت بقية الثلاثمائة فارس على عمارة ورفقته مثل السود القناعس، وقد قلوا في أعينهم وداروا بهم وتفرقوا كراديس ومواكب، فعند ذلك لزم بنو عبس القتال خوفًا من المهالك، فانظر أيها السامع إلى هذه الأشياء التي تحير العقول، فإن عمارة قد أتى يقاتل عنتر فصار معينا له بغير علمه واختياره، واحتاج أن يقاتل معه، ويخلص نفسه فزعا من العطب، ولو أمكنه الهروب من ذلك لهرب، ولكن ما قدر على ذلك لأن الأعداء قد أحدقت بهم من سائر الجهات والممالك، فقاتل وبذل المجهود وتزاعقت عليهم الفرسان مثل الأسود، وتواثبت الشجعان مثل الفهود، واقشعرت الجلود، وقدحت حوافر الخيل النار في الجلمود، وخيم الغبار على رأسهم حتى بقي مثل الرواقي الممدود، وفاضت الدموع على الخدود، وقدت الصوارم الهامات والقدود، وخفقت الرايات والبنود، وتلهجت في الأحشاء نار الحقود، وعادت وجوه الأبطال سود، من كثرة الغبار الممدود، ومما جرى عليها من نقض المواثيق والعهود، وشربت الأودية من أدمية الفرسان والكبود، وخسرت بنو زياد في ذلك اليوم المشهود، ورأت مقام عنتر في ذلك الوقت محمود، وأيقن عمارة أنه هالك من بين أهله ومفقود، وكاد أن يموت من الحسد، وعاد متنغصا مكمود، ثم إنه افتقد أصحابه فوجدهم قد فقد منهم خمسون فارسا، والباقون أشرفوا على الهلاك، فعندها قال عمارة: النجاة، ثم إنه لوى عنان جواده وولى هاربا، فتبعه عروة ومن بقي من رجاله، وهم لا يصدقون بالنجاة.

ألف ليلة وليلة الجزء الرابع

by فكلور تقليدي

قالت بلغني أيها الملك السعيد أن حسنا لما أخذ ثوب البنت طلبته فلم تجده وطار أخواتها وتركنها وحدها فلما رآهن حسن طرن وغبن عنها أصغي إليها فسمعها تقول يا من أخذ ثوبي وأعراني سألتك أن ترده عليّ وتستر عورتي فلا أذاقك الله حسرتي فلما سمع حسن هذا الكلام منها سلب عقله في عشقها وازدادت محبته لها ولم يطق أن يصبر عنها فقام من مكانه وصار يجري حتى هجم عليها وأمسكها ثم جذبها إليه ونزل بها إلى أسفل القصر وأدخلها مقصورته ورمي عليها عباءته وهي تبكي وتعض على يديها فأغلق عليها الباب وراح لأخته وأعلمها أنه حصلها وظفر بها ونزل بها إلى مقصورته وقالا لها أنها الآن قاعدة تبكي وتعض على يديها فلما سمعت أخته كلامه قامت وتوجهت إلى المقصورة ودخلت عليها فرأتها تبكي وهي حزينة فقبلت الأرض بين يديها ثم سلمت عليها فقالت لها الصبية يا بنت الملك أهكذا تفعل الناس مثلكم هذه الفعال الرديئة مع بنات الملوك وأنت تعرفين إن أبي ملك عظيم وأن جميع ملوك الجان تفزع منه وتخاف من سطوته وعنده من السحرة والحكماء والكهان والشياطين والمردة مالا طاقة لاحد عليه وتحت يده خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى وكيف يصلح لكم يا بنات الملوك أن تأوين رجال الأنس عندكن وتطلعنهم على أحوالنا وأحوالكن وإلا فمن أين يصل هذا الرجل إلينا فقالت لها أخت حسن يا بنت الملك أن هذا الأنسي كامل المروءة وليس قصده أمراً قبيحاً وإنما هو يحبك وما خلقت النساء إلا للرجال ولولا أنه يحبك ما مرض لأجلك وكادت روحه أن تزهق في هواك وحكت لها جميع ما أخبرها به حسن من عشقه لها وكيف عملت البنات في طيرانهن واغتسالهن وأنه لم يعجبه من جميعهن غيرها لأن كلهن جوار لها وأنها كانت تغطسهن في البحيرة وليست واحدة منهن تقدر أن تمد يدها إليها فلما سمعت كلامها يئست من الخلاص فعند ذلك قامت أخت حسن وخرجت من عندها وأحضرت لها بدلة فاخرة فألبستها أياها وأحضرت لها شيئاً من الأكل والشرب فأكلت هي وأياها وطيبت قلبها وسكنت روعها ولم تزل تلاطفها بلين ورفق وتقول لها ارحمي من نظرك نظرة فأصبح قتيلاً في هواك ولم تزل تلاطفها وترضيها وتحسن لها القول والعبارة وهي تبكي إلى أن طلع الفجر فطابت نفسها وأمسكت عن بكائها لما علمت أنها وقعت ولا  يمكن خلاصها وقالت لأخت حسن يا بنت الملك بهذا حكم الله على ناصيتي من غربتي وانقطاعي عن بلدي وأهلي وأخوتي فصبر جميل على ما قضاه ربي ثم أن أخت حسن أخلت لها مقصورة في القصر لم يكن هناك أحسن منها ولم تزل عندها تسليها وتطيب خاطرها حتى رضيت وانشرح صدرها وضحكت وزال ما عندها من الكدر وضيق الصدر من فراق الأهل والأوطان وفراق أخواتها وأبويها وملكها ثم أن أخت حسن خرجت إليه وقالت له قم ادخل عليها في مقصورتها وقبّل يديها ورجليها فدخل وفعل ذلك ثم قبلها بين عينيها وقال لها يا سيدة الملاح وحياة الأرواح ونزهة الناظرين كوني مطمئنة القلب أنا ما أخذتك إلا لأجل أن أكون عبدك إلى يوم القيامة وأختي هذه جاريتك وأنا يا سيدتي ما قصدي إلا أن أتزوجك بسنة الله ورسوله وأسافر إلى بلادي وأكون أنا وأنت في مدينة بغداد واشتري لك الجواري والعبيد ولي والدة من خيار النساء تكون في خدمتك وليس هناك بلاد أحسن من بلادنا وكل ما فيها أحسن مما في غيرها من سائر البلاد وأهلها وناسها ناس طيبون بوجوه صباح فبينما هو يخاطبها ويؤانسها وهي لا تخاطبه بحرف واحد وإذا بدق يدق باب القصر فخرج حسن ينظر من بالباب فإذا هن البنات قد حضرن من الصيد والقنص ففرح بهن وتلقاهن وحياهن فدعون له بالسلامة والعافية ودعا لهن الآخر ثم نزلن عن خيولهن ودخلن القصر ودخلت كل واحدة منهن مقصورتها وفرغت ما كان عليها من الثياب الرثة ولبست قماشاً مليحاً وقد اصطدن شيئاً كثيراً من الغزلان وبقر الوحوش والأرانب والسباع والضباع وغير ذلك وقدمن منه شيئاً إلى الذبح وتركن الباقي عندهن في القصر وحسن واقف بينهن مشدود الوسط يذبح لهن وهن يلعبن وينشرحن وقد فرحن بذلك فرحاً شديداً فلما فرغن من الذبح قعدن يعملن شيئاً ليتغذوا به فتقدم حسن إلى البنت الكبيرة وقبل رأسها وصار يقبل رأسهن واحدة بعد واحدة فقلن له لقد أكثرت التنزل الينا يا أخانا وعجبنا من فرط توددك الينا وأنت رجل آدمي ونحن من الجن فدمعت عيونه وبكي بكاء شديداً فقلن ما الخبر وما يبكيك فقد كدرت عيشنا ببكائك في هذا اليوم كأنك اشتقت إلى والدتك وإلى بلادك فإن كان الأمر كذلك فنجهزك ونسافر بك إلى وطنك وأحبابك فقال لهن والله ما مرادي فراقكم فقلن له وحينئذ من شوش عليك منا حتى تكدرت فخجل أن يقول ما شوش على الأعشق الصبية خيفة أن ينكرن عليه فسكت ولم يعلمهن بشيء من حالة فقامت أخته وقالت لهن اصطاد طيرة من الهواء ويريد منكن أن تعنه على تأهيلها فالتفتن إليه كلهن وقلن له نحن كلنا بين يديك ومهما طلبته فعلناه لكن قص علينا خبرك ولا تكتم عنا شيئاً من حالك فقال لاخته قصى خبري عليهن فإني استحي منهن ولا أقدر أن أقابلهن بهذا الكلام وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.  

القانون في الطب 2

by ابن سينا

اعلم أن المرارة كيس معلّق من الكبد إلى ناحية المعدة من طبقة واحدة عصبانية ولها ضمّ إلى الكبد ومجرى فيه يجذب الخلط الرقيق الموافق لها والمرار الأصفر ويتصل هذا المجرى بنفس الكبد والعروق التي فيها يتكون الدم وله هناك شعب كثيرة غائصة وإن كان مدخل عمودها من التقعير والفم ومجرى إلى ناحية المعدة‏.‏ والأمعاء ترسل فيه إلى ناحيتهما فضل الصفراء على ما ذكرناه في الكتاب الأول‏.‏ وهذا المجرى يتصل أكثر شعبه بالاثني عشري وربما اتصل شيء صغير منه بأسفل المعدة وربما وقع الأمر بالضد فصار الأكبر المتصل بالوعاء الأغلظ إلى أسفل المعدة والأصغر إلى الاثني عشري‏.‏ وفي أكثر الناس هو مجرى واحد متصل بالاثني عشري‏.‏ وأما مدخل الأنبوبة المصاصة للمرارة في المرارة فقريب من مدخل أنبوبة المثانة في المثانة‏.‏ ومن عادة الأطباء الأقدمين أن يسموا المرار الكيس الأصغر كما أنه من عادتهم أن يسموا المثانة الكيس الأكبر ومن المنافع في خلقة المرارة تنقية الكبد من الفضل الرغوي وأيضاً تسخينها كالوقود تحت القدر وأيضاً تلطيف الدم وتحليل الفضول وأيضاً تحريك البراز وتنظيف الأمعاء وشدّ ما يسترخي من العضل حوله وإنما لم يخلق في الأكثر للمرارة سبيل إلى المعدة لتغسل رطوباتها بالمرة كما تغسل بها في رطوبات الأمعاء لأن المعدة تتأذى بذلك وتغثّي ويفسد الهضم فيها بما يخالط الغذاء من خلط رديء ويأتيها من العرق الضارب‏.‏ وللعصبة التي تتصل بالكبد شعبتان صغيرتان جداً والمرارة كالمثانة طبقة واحدة مؤلفة من أصناف الليف الثلاثة وإذا لم تجذب المرارة المرار أو جذبت فلم تستنق عنه حدثت آفات فإن الصفراء إذا احتبست فوق المرارة أو رمت الكبد وأورثت اليرقان وربما عفنت وأحدثت حميات رديئة‏.‏ وإذا سالت إلى أعضاء البول بإفراط قرحت وإذا سالت إلى عضو ما أحدثت الحمرة والنملة وإذا دبت في البدن كله ساكنة غير هائجة أحدثت اليرقان وإذا سالت عن المرارة إلى الأمعاء بإفراط أورثت الإسهال المراري والسحج‏.‏  

صيد الخاطر

by ابن قيم الجوزي

لما كانت الخواطر تجول في تصفح أشياء تعرض لها ثم تعرض عنها فتذهب كان من أولى الأمور حفظ ما يخطر لكيلا ينسى‏.‏ وقد قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ قيدوا العلم بالكتابة‏.‏ وكم قد خطر لي شيء فأتشاغل عن إثباته فيذهب فأتأسف عليه‏.‏ ورأيت من نفسي أنني كلما فتحت بصر التفكر سنح له من عجائب الغيب ما لم يكن في حساب فأنثال عليه من كثيب التفهيم ما لا يجوز التفريط فيه فجعلت هذا الكتاب قيداً - لصيد الخاطر - والله ولي النفع إنه قريب مجيب‏.‏ قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القسوة والغفلة‏!‏ فتدبرت السبب في ذلك فعرفته‏.‏ ثم رأيت الناس يتفاوتون في ذلك فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفة من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها لسببين‏.‏ أحدهما‏:‏ أن المواعظ كالسياط والسياط لا تؤلم بعد انقضائها إيلامها وقت وقوعها‏.‏ والثاني‏:‏ أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلة قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا وأنصت بحضور قلبه فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها وكيف يصح أن يكون كما كان‏!‏‏.‏ وهذه حالة تعم الخلق إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر‏.‏ فمنهم من يعزم بلا تردد ويمضي من غير التفات فلو توقف بهم ركب الطبع لضجوا كما قال حنظلة عن نفسه‏:‏ نافق حنظلة‏!‏‏.‏ ومنهم أقوام يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحياناً ويدعوهم ما تقدم من المواعظ إلى العمل أحياناً فهم كالسنبلة تميلها الرياح‏!‏‏.‏ وأقوام لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه كما دحرجته على صفوان‏.‏ جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة ثم هي من داخل وذكر الآخرة أمر خارج عن الطبع من خارج‏.‏ وربما ظن من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى لما يسمع من الوعيد في القرآن‏.‏ وليس كذلك‏.‏ لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا كالماء الجاري فإنه يطلب الهبوط وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف‏.‏ ولهذا أجاب معاون الشرع‏:‏ بالترغيب والترهيب يقوى جند العقل‏.‏ فأما الطبع فجواذبه كثيرة وليس العجب أن يغلب إنما العجب أن يغلب‏.‏  

شرح تشريح القانون

by ابن النفيس

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وجملة العظام دعامة وقوام للبدن وما كان من هذه العظام إنما يحتاج إليه للدعامة فقط أو للوقاية ولا يحتاج إليه لتحريك الأعضاء فإنه خلق مصمتاً وإن كان فيه المسام والفرج التي لا بد منها‏.‏ إلى قوله‏:‏ والعظام كلها متجاورة متلاقية‏.‏ الشرح كل عضو ولا بد أن يكون في جرمه خلل ينفذ فيه الغذاء إلى عمقه وهذا الخلل إن لم يكن محسوساً سمي مساماً ويسمى ما كان خلله من العظام كذلك مصمتاً لأنه مصمت في الحس وإن كان ذلك الخلل محسوساً فإما أن يكون متفرقاً في جرم العضو كما في عظم الفك الأسفل فيسمى ما كان من العظم كذلك هشاً متخلخلاً أولا يكون متفرقاً في جرمه بل مجتمعاً في موضع واحد فيسمى ما كان من العظام كذلك مجوفاً‏.‏ وكل عظم فإما أن يكون صغيراً جداً كالأنملة بل كالعظام السمسمانية فلا يحتاج فيه إلى تجويف محسوس لأن هذا لصغره يتمكن الغذاء من النفوذ إلى قعره بسهولة لقصر المسافة أولا يكون صغيراً‏.‏ فإما أن يكون المقصود منه الحركة أو آلة الدعامة والوقاية أو مجموع الأمرين‏.‏ والحركة تحوج إلى الخفة وذلك يقتضي التجويف‏.‏ والدعامة والوقاية يحوجان إلى قوة الجرم وذلك يحوج إلى عدم التجويف وإذا اجتمع الأمران روعي كل واحد منهما وتكون أكثر العناية مصروفة إلى الأهم منها وهو الذي الحاجة إليه من ذلك العظم أشد فلذلك خلق عظم الفك الأسفل كثير التجويف متخلخلاً لتكون خفته كبيرة إذ معظم الحاجة إليه إنما هو الحركة‏.‏ وخلق العظم الوتدي مصمتاً لشدة الحاجة فيه إلى الدعامة والوقاية والوثاقة مع عدم الحاجة إلى الحركة‏.‏ وخلق كل واحد من عظمي الساق والساعد ذا تجويف واحد لاجتماع الغرضين فيه‏.‏ لأن عظم الساق مجوفاً يحتاج إلى قوة الجرم ليكون قوياً على حمل البدن ويحتاج إلى الخفة لأجل سهولة الحركة ففائدة تجويفه أن يكون أخف وفائدة توحيد التجزيف أن يبقى جرمه قوياً فتجتمع الخفة من القوة وهذا كما في القنا والقصب‏.‏ قوله‏:‏ وجعل تجويفه في الوسط واحداً ليكون جرمه غير محتاج إلى مواقف الغذاء المتفرقة‏.‏ أما أن هذا التجويف يكون في الوسط فلأمرين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن التجويف لو مال إلى جهة لضعف جرم العظم من تلك الجهة فكان يتهيأ للانكسار منها وذلك لأن الجوانب إذا كانت كلها متساوية في القوة لم يمكن الانكسار من جهة منه أولى منن غيرها فيكون حصوله أعسر ولو كان كل واحد من الجوانب أضعف من الجانب الذي ضعف لو حده وكذلك فإن الصفارين ونحوهم يحزون الموضع الذي يريدون الانكسار منه حزاً يسيراً فينكسر المنحز من ذلك الموضع أسهل مما لو كان جرمه من كل جانب بتلك القوة وما ذلك إلا لتعيين موضع يكون أولى بالانكسار‏.‏ وثانيهما: وأما أن هذا التجويف يكون واحداً فلأنه لو كان كثيراً لضعف جرم العظم لأجل تخلخله‏.‏ وأما قوله‏:‏ ليكون جرمه غير محتاج إلى مواقف الغذاء المتفرقة منه فهو مشكل‏.‏ وذلك لأن اللازم لكون التجويف غير واحد‏.‏ وهو أن يكون كثيراً متفرقاً في جرم العظم ويلزم ذلك أن يكون جرمه ضعيفاً‏.‏ وأما أن مواقف الغذاء تكون كثيرة متفرقة فإنما يلزم لو كان التجويف صغيراً حتى لا يبقى الواحد بأن يكون كافياً في التغذي فيحتاج أن يكون كثيراً فيكون ذلك تقليلاً لفائدة خلقه ذلك التجويف عظيماً لكونه واحداً وقد ذكر الشيخ للمخ ثلاث فوائد‏.‏ إحداها: أن يغذ العظم وقد تكلمنا في ذلك فيما سلف‏.‏ وثانيتها‏:‏ أن يرطبه حتى لا يجف بالحركة حركة وإنما ذكر فائدة الترطيب ولم يذكر فائدة التغذية‏.‏ لأن فائدة التغذية معلومة‏.‏ بل هي فائدة مستقلة بنفسها فيكون السكوت عنها غير مستقبح ولا كذلك فائدة الترطيب‏.‏ فإنه قد يظن أنه ضار بالعظم وخصوصاً الذي يراد أن يكون جرمه قوياً لأن قوة العظم تتبع صلابته والترطيب يمنع الصلابة‏.‏ وثالثها‏:‏ أن يكون العظم كالمصمت مع كونه مجوفاً‏.‏ ولقائل أن يقول‏:‏ إن هذا مما لا أثر له في زيادة القوة فلا يصلح أن تكون فائدة فيها‏.‏ قوله‏:‏ والتجويف يقل إذا كانت الحاجة إلى الوقاية أكثر ويكثر إذا كانت الحاجة إلى الخفة أكثر‏.‏

Refine Search

Showing 51 through 75 of 330 results